الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
238
مناهل العرفان في علوم القرآن
الناس من هذه المحاولة بثوب مرقع ، وكلام مشوش ، ينقصه الترابط والانسجام ، وتعوزه الوحدة والاسترسال ، وتمجه الأسماع والأفهام ! . إذن فالقرآن الكريم تنطق طريقة تأليفه ، بأنه لا يمكن أن يكون صادرا إلا ممن له السلطان الكامل على الفلك ودورته ، والعلم المحيط بالزمن وحوادثه ، والبقاء السرمدي حتى يبلغ مراده وينفذ مشيئته . ذلكم اللّه وحده الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، والذي يعلم الغيب في السماوات وفي الأرض ، والذي لا يذوق الموت ولا تأخذه سنة ولا نوم ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه . وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . الوجه الثالث علومه ومعارفه وبيان ذلك أن القرآن قد اشتمل على علوم ومعارف في هداية الخلق إلى الحق . بلغت من نبالة القصد ، ونصاعة الحجة وحسن الأثر وعموم النفع ، مبلغا يستحيل على محمد - وهو رجل أمي نشأ بين الأميين - أن يأتي بها من عند نفسه . بل يستحيل على أهل الأرض جميعا من علماء وأدباء وفلاسفة ومشترعين وأخلاقيين ، أن يأتوا من تلقاء أنفسهم بمثلها . هذا هو التنزيل الحكيم ، تقرؤه فإذا بحر العلوم والمعارف متلاطم زاخر ، وإذا روح الإصلاح فيه قوى قاهر . ثم إذا هو يجمع الكمال من أطرافه . فبينا تراه يصلح ما أفسده الفلاسفة بفلسفتهم ، إذ تراه يهدم ما تردى فيه الوثنيون بشركهم . وبينا تراه يصحح ما حرفه أهل الأديان في دياناتهم ، إذ تراه يقدم للإنسانية مزيجا صالحا من عقيدة راشدة ترفع همة العبد ، وعبادة قويمة تطهر نفس الإنسان ، وأخلاق عالية تؤهل المرء لأن يكون خليفة اللّه في الأرض ، وأحكام شخصية ومدنية واجتماعية تكفل حماية المجتمع من الفوضى والفساد ، وتضمن له حياة الطمأنينة والنظام والسلام والسعادة . . دينا قيما يساوق الفطرة ، ويوائم الطبيعة ، ويشبع حاجات القلب والعقل ، ويوفق بين مطالب الروح والجسد ، ويؤلف بين مصالح الدين والدنيا ، ويجمع بين عز الآخرة والأولى ! كل ذلك في قصد واعتدال ،